السيد كمال الحيدري
340
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً . . . ( المائدة : 32 ) ، وفي حصانة المرأة يُشدِّد على ضرورة اجتماع الشهود ، وهو قوله تعالى : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ( النور : 4 ) ، ومن هنا يتّضح لنا بأنَّ هذا التفاوت في قوّة الخطاب لابدَّ أن يُؤخذ بالاعتبار في تفسير النصّ ، بمعنى أنَّ الخطاب كلَّما اشتدَّ قلَّت الاحتمالات فيه ، وأنّه كلَّما قلَّت الشدّة ازدادت الاحتمالات فيه . بعبارة أُخرى : إنَّ هنالك إستراتيجيتين في البيانات القرآنية ، الأُولى : في مجالات الحسم ، والأُخرى : في مجال الاجتهاد ، فالحسم يتّخذ النصِّية الأُصولية طريقاً واضحاً ، وهو ما يُسمَّى قرآنياً بالمحكم ، وأما في مجال الاجتهاد فإنَّ القارئ المُتخصّص يجد مساحة واسعة للأخذ والردّ ، لأنَّ الموضوعات قابلة لذلك ، ولعلَّ هذا هو السرّ في الجعل التكويني لموضوعات العقيدة ، بمعنى إرجاع مطالبها للفطرة السليمة التي تنطق بها قبل القرآن والسنّة الشريفة ، بخلاف مُعظم موضوعات الشريعة ، فإنها وإن كانت منسجمة مع سياقات الفطرة إلا أنها تبقى عاجزة عن نيلها ، ولعلنا نُوفّق لتأصيل ذلك في بحوثنا المتعلّقة بفلسفة الأحكام الشرعية . الرابع : ما هي طبيعة المعارف البديهية ؟ للإجابة عن ذلك نحتاج أن نُوجز الحديث عن قسمي المعارف العقلية ، فإنها تنقسم إلى قطعية وظنّية ، وحيث إنَّ الظنّية منها فاقدة للاعتبار فإننا سوف نقف عند القطعية منها التي هي حجّة بذاتها ، وهي تنقسم إلى قسمين ، هما : الأوّل : المعارف العقلية البديهية . الثاني : المعارف العقلية النظرية الكسبية ( البرهانية ) . أما المعارف النظرية البرهانية فإنها تندرج ضمن القرائن المتّصلة كما سيأتي ، وأما المعارف البديهية فإنها ولا ريب - من جملة القرائن المتّصلة ، وذلك لحضورها عند المتصدّي للعملية التفسيرية ، فهي لا تحتاج أن يبذل المفسِّر جهداً لتحصيلها ،